هبة الله بن علي الحسني العلوي

المقدمة 63

أمالي ابن الشجري

قال : وزعم قوم من الكوفيين أن « لولا » قد استعملت بمعنى « لم » واحتج بقوله : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ، قال : معناه : لم تكن قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ، وكذلك فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وهذا التقدير موافق للمعنى ومباين لأصح الإعرابين ، لأن المستثنى بعد النفي يقوى فيه البدل ، ويجوز النصب ، ولم يأت في الآيتين إلا النصب . وقد حكى الزركشي « 1 » كلام ابن الشجري ووضحه فقال : « أي فدل على أن الكلام موجب » . ثم قال : « وجوابه ما ذكرنا من أن فيه معنى النفي » . وممن ذهب إلى أن « لولا » في الآيتين بمعنى « لم » ابن فارس والهروي « 2 » . وهذا الذي استشكله ابن الشجري قد ردّه أبو جعفر الطبري « 3 » بقوله : « فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها بمعنى : فما كانت قرية آمنت ، بمعنى الجحود ، فكيف نصب ( قوم ) وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحدا ، كان ما بعده مرفوعا ، وأن الصحيح من كلام العرب : ما قام أحد إلا أخوك ، وما خرج أحد إلا أبوك . قيل : إن ذلك فيما يكون كذلك ، إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله ، وذلك أن الأخ من جنس أحد ، وكذلك الأب ، ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله ، كان الفصيح من كلامهم النصب ، وذلك لو قلت : ما بقي في الدار أحد إلا الوتد . . . لأن الوتد من غير جنس أحد . . . فكذلك نصب ( قوم يونس ) لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم ، ومن غير جنسهم وشكلهم ، وإن كانوا من بني آدم ، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع ، ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم ، كان الكلام رفعا ، ولكنهم كما وصفت .

--> ( 1 ) البرهان 4 / 379 . ( 2 ) الصاحبى ص 254 ، والأزهية ص 178 . ( 3 ) تفسيره 15 / 206 .